الشيخ السبحاني

320

مفاهيم القرآن

واليقين بالتوحيد والرسالة مالم ينضم إليه التسليم القلبي ، ولذلك ترى أن‌ّأمير المؤمنين علياً عليه السلام يصف الإسلام بالنحو التالي ، ويقول : « لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الإسلام هو التسليم » . « 1 » وتشير الآية الثانية إلى أنّه سبحانه قادر على أن يهلك المشركين ويأتي بقوم آخرين « خيراً منهم » ، من دون أن يكون مغلوباً ، قال : « فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَن‌ْنُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَ » . فجواب القسم قوله « إِنّا لَقادِرُون » وقوله « وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقين » عطف على جواب القسم ، والمراد بالسبق الغلبة ، أيوما نحن بمغلوبين ويمكن أن يكون السبق بمعناه والمراد : وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم فإنّهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا . والتعبير بالمشارق والمغارب لأجل أنّ للشمس في كل يوم من أيام السنة الشمسية مشرقاً ومغرباً لا تعود إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة ، كما أنّه من المحتمل أن يكون المراد بها مشارق جميع النجوم ومغاربها . ومن عجيب الأمر أنّ في الآية على قصرها وجوهاً من الالتفات . ففي قوله : « فلا أُقْسِم » التفات من التكلم مع الغير الوارد في قوله : « إِنّا خَلَقْناكُمْ » إلى التكلم وحده ، والوجه فيه تأكيد القسم باسناده إلى اللَّه نفسه . وفي قوله : « بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب » التفات من التكلم وحده إلى الغيبة ، والوجه فيه الإشارة إلى صفة من صفاته تعالى هي المبدأ في خلق الناس جيلًا بعد جيل ، وهي ربوبيته للمشارق والمغارب ، فانّ الشروق بعد الشروق ، والغروب بعد الغروب ، يلازم مرور الزمان الذي له مدخلية تامّة في تكوّن الإنسان

--> ( 1 ) نهج البلاغة : قسم الحكم ، الحكمة 125 .